في ظل التغيرات غير المسبوقة التي يشهدها العالم، ووسط التقدم الأسطوري في المجالات الرقمية والذكاء الإصطناعي والمعدات العسكرية، ما زال ولا يزال يشهد العالم أمورا استثنائية متواصلة غير منحصرة. إنما أعني بكل بساطة أن العالم يتحرك عبر صُرُط جهزتها بعض القوى العالمية كما تنصاع المواشي لضربات صاحبها. أخيرا وليس آخرا، تعرضت فنزويلا كما تعرضت عدّة بلدان من قبل للإبتزار والغطرسة والغارات المدفعية، وسُرق رئيسها وزوجته من جوف محله الرسميّ من قبل الأمريكيّة، الموصوفة بالشرطة العالمية التي تحمل في طياتها دورا حيويا في حركة العالم بتفاصيلها.
وفقا للتقارير الرسمية الأخيرة الواردة من فنزويلا ومن المنصات العالمية مثل الجزيرة، فإن دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي قد قام بهذه العملية البشعة، مستهدفا غاياتٍ شتى، بما فيها إدارة مرحلة إنتقالية واستغلال احتياطياتها النفطية الهائلة. وإلى جانب ذلك فإن فنزويلا قد شُدِّد عليها أكثر من غيرها من البلدان العالمية، وهي من أكثر البلدان ذهبا ووقودا، إذ تكمن هذه الثروات في ظهر قلبها. أما هذه العملية المنظمة فقد حدثت، مما أسفر عن شرذمتها.
بمثل هذه التوغلات الممنهجة ليست وليدة اليوم، ولكن هناك عدة أوطان قد افتُرست بأنياب أمريكا العارمة، مثل عراق وأفغانستان حتى فنزويلا الآن. ومن الجدير بالذكر أن الأسباب وراء هذه العمليات هي ليست إلا ادعاءات مزيفة واتهامات مجحفة أصدرتها الشرطة العالمية نفسها ضد أولئك البلاد المتضمنة في الجداول الأمريكية. انطلاقا عن هذه الاتهامات، قد أسقطت أمريكا ملايين الإنسان بين قتيل وجريح.
إذا أمعنّا أنظارنا في سلسلة هذه الفعليات الناسفة والنشاطات الدامية، نجد عاملين أو ثلاثة عوامل رئيسية شائعة. أولًا، ومن الأهداف المعلَنة للحكومة الأمريكية أن تُعرَف بالقوة العالمية الكبرى كدور الدماغ للأجسام بكل ما في الكلمة من معنى. تمهيدًا لهذا الهدف، تتدخّل في شأون الأوطان العالمية بمثابة مصلح طيّب، يصلح بين الإشتباكات والنزالات والأزمات بين البلاد، سواء أكانت داخلية أو خارجية. ولكن شتان ما تفعل وبين ما تعلن، بل يبرز عبر مرِّ العصور موقفها الإزدواجية وسنّتها الملموسة أمام العالم، كما يشير الله سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ (2:11).
إن فلسطين قبل كل شيئ مثال تاريخي يأكّد على ما ذُكِر أعلاه، حيث تعرضت لتوغلات شيطانية وتداخلات همجية من قبل الحكومة النازية، مما أسفرت عن تداعيات جسيمة. وفي غضون تلك التقلبات والغموضات، لا تحاول أمريكا، الموصوفة بالشرطة العالمية، محاولةً جادّة لتخفيف حدّة الحرب وضراوتها وكثافتها بإصدار مراسيم كافية، ولكن تناولت آلاف آلات حادثة لإسرائيل كي تزيدَ الطين بلّة، وتُنبعَ أنهار دمويّة في شتى أنحاء فلسطين، مما أدّت إلى إثارة الدمار على الإنسانية، وجري الدبابات والجرّافات عبر الشوارع والطرق، وتصيب الرصاص في أجسام المستضعفين حتى اختلط الحابل بالنابل. إن فلسطين ليست مكانا يعيش فيه ملايين الأطفال والرجال والنساء من المسلمين والمسيحيين الساذجين في أعين أمريكا فحسب، ولكنها مكان ذو خصوبة، مزوَّد للخطط الاستثمارية المستقبلية، وقد اختارتها أمريكا معرضًا للعرض العسكري وتنفيذ معداتها الحربية.
ثانيًا، إن أمريكا تحمل قوة فيتو (veto) بين خمسة أوطان عملاقة، ولذا، أحيانا تنتهز أمريكا هذه القوة بصورة سيئة، كما حدث في قضية فلسطين، حيث ابتعدت عن التوقيع المأدِّي إلى الصلح بين فلسطين وإسرائيل. وبهذه القوة الهائلة تلعب أمريكا دورا بارزا في الهيئة الأمم المتحدة بشكل خاص، وفي ربوع العالم وأرجائه بشكلٍ عام.
ومن الحقائق الدامغة التي لا يمرّ بها نزر من الشكوك والأوهام المناصب الحاسمة التي تقوم بها معظم القنوات الإخبارية الأمريكية، حيث تُصوِّر غزواتها واقتحاماتها وتوغلتها مجرّد محاولات ضد الإرهاب والتطرف، وفي الوقت نفسه تُدخِل الاضطرابات والاحتجاجات وردات الأفعال في جدول العمليات الإرهابية والتطرفية. ولا شك، إن هذه دعاية واضحة تهدف إلى أن تُحلّ أمريكا محل المصلح الناصع، وتُظهِر الآخرين على العكس من ذلك.
ثالثا، ومن الأمور التي يصادق عليها العالم بأسره هي القوة العسكرية لدى أمريكا. وبالنسبة لنظام العالم الحالي، يعترف كل البلدان العالمية بعدد الدبابات والجرافات والبنادق والصواريخ والمروحيات والطائرات المقاتلة والسفن الحربية والتكنولوجيات الحادثة معيارًا للقوّة العالمية. أمّا أمريكا فقد فاقت كل المعايير، بل هي نفسها تنعقد عليها تلك المقاييس، والعالم يشيد بها. إنها تُبادل الأجهزة العسكرية للبلاد المحتاجة، وتقدّر تلك البلاد عبيدا لها، ترقص مع الموسيقى الذي تُشغّلها أمريكا، وتُقفِل على أفواه من تضادّها، وتسقطها بين الأنقاض والركام. أمّا فنزويلا فهي مثال متحرك أمام العالم.
إنما أعني بكل سذاجة، أن العالم ما زال ولا يزال ينغمس في أقصى قاع السكوت والغفلة والعدم التي لا يمكن أن يُسبَر أغوارها. ويسير عبر طرق تمهّدها تلك القوى العالمية. ويعتبر ثقافاتها ولغاتها وطقوسها وعملتها وملابسها وما إلى ذلك مقياسًا نهائيّا للتحقق الإجتماعي والموافقة الجمهورية. إن هذا التقاعس والخمول الذين أصابا العالم بتفاصيله لا يأتيان إلا بالمزيد من الخزي والعار. وهذا ما ينوّه به الناطق العسكري لكتائب عز الدين القسام حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، يُكنّى بأبي عبيدة، في كلامه المصقول بالاعتراض والتصدي ضدّ إسرائيل بوجه والعالم بأوجه أخرى: "وإننا نقول للتاريخ وبكل مرارة وألم وأمام كل أبناء أمتنا، يا قادة هذه الأمة الإسلامية والعربية ويا نُخبها وأحزابها الكبيرة ويا علماءها، أنتم خصومنا أمام الله عز وجل، أنتم خصوم كل طفل يتيم وكل ثكلى وكل نازح ومشرّد ومكلوم وجريح ومجوّع، أن رقابكم مثقلة بدماء عشرات الآلاف من الأبرياء الذين خُذِلوا بصمتكم".
شامل منير
طالب حرم الوافي ،كالكاو
