الإسلام وحقوق الإنسان: رؤية حضارية من الجذور إلى تحديات العصر


 يحتفل العالم في العاشر من ديسمبر من كل عام باليوم العالمي لحقوق الإنسان، بوصفه مناسبة دولية للتأكيد على المبادئ التي يفترض أن تقوم عليها المجتمعات المعاصرة، من كرامة الإنسان، وحريته، وعدالته، ومساواته أمام القانون. وفي هذا اليوم تُعقد المؤتمرات، وتُنظم الندوات، وتُطلق المبادرات الحقوقية التي تتغنى بالقيم الإنسانية العليا، وتدعو إلى حماية الإنسان من الظلم والتمييز والانتهاك. غير أن هذا الاحتفاء السنوي، على أهميته الرمزية، يثير تساؤلات عميقة حول مدى حضور هذه القيم في الواقع، وحول جذورها الفكرية والتاريخية، وهل هي نتاج العصر الحديث وحده، أم امتداد لقيم إنسانية أقدم وأعمق.

إن التأمل في مسيرة التاريخ البشري يكشف بوضوح أن الإنسان، في أغلب المراحل، لم يكن يُقيَّم بإنسانيته المجردة، بل بمقدار قوته أو ضعفه، وغناه أو فقره، ومكانته الاجتماعية أو نفوذه السياسي. وقد عرفت المجتمعات القديمة أنظمة طبقية قاسية، انقسم فيها الناس إلى سادة وعبيد، وأقوياء وضعفاء، وطبقات عليا وأخرى مسحوقة، حتى أصبح التفاوت الواسع بين البشر أمرًا مألوفًا، والتمييز على أساس العرق أو اللون أو النسب أو الجنس ممارسة طبيعية لا تُستنكر.
وقد غرقت الإنسانية عبر قرون طويلة في دوائر من الاستبداد والاستغلال، حيث سُلبت حقوق الفقراء والضعفاء، واستُبيحت كرامة الإنسان باسم القوة أو التقاليد أو القوانين الجائرة. وكان أكل القوي للضعيف قاعدة اجتماعية سائدة في كثير من الحضارات، تُبرَّر أحيانًا بالدين المحرَّف، وأحيانًا بالأعراف أو المصالح السياسية. وفي هذا السياق، لم يكن الإنسان قيمة في ذاته، بل وسيلة أو أداة تُستخدم وتُهمَّش متى انتهى دورها.

وقد عبّر جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه عن هذا الواقع الإنساني المرير أصدق تعبير حين وقف أمام النجاشي ملك الحبشة، واصفًا حال العرب قبل الإسلام بقوله : كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. وهو وصف لا يخص مجتمعًا بعينه بقدر ما يعكس صورة عامة لمرحلة إنسانية غابت عنها القيم الأخلاقية الجامعة، وحلّ محلها منطق الغلبة والتمييز.
في خضم هذا الواقع المأزوم، جاء الإسلام برسالته الخاتمة ليُحدث تحولًا جذريًا في نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى غيره. فلم يكن الإسلام مجرد دعوة روحية محصورة في الطقوس والعبادات، بل مشروعًا حضاريًا متكاملًا، هدفه إعادة بناء الإنسان أخلاقيًا، وتحريره من كل أشكال العبودية لغير الله. وقد وضع الإسلام الإنسان في قلب رسالته، وجعل كرامته أساس التكليف، ومحور العدالة، وغاية التشريع. ومنذ اللحظة الأولى، واجه الإسلام مظاهر الظلم والاستبداد، ورفض العصبيات القبلية والامتيازات الزائفة التي تقوم على النسب أو اللون أو القوة. وأعلن مبدأ المساواة الإنسانية إعلانًا واضحًا وصريحًا، حين قرر النبي محمد ﷺ قاعدة أخلاقية خالدة بقوله : لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى .وقد مثّل هذا الإعلان ثورة حقيقية في مجتمع اعتاد التفاخر بالأنساب واحتقار الآخر، ووضع معيارًا جديدًا لقيمة الإنسان يقوم على الأخلاق والعمل الصالح، لا على الانتماءات الضيقة.
وأكد القرآن الكريم هذا المبدأ في أكثر من موضع، حين جعل الكرامة الإنسانية صفة ملازمة لكل بني آدم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وهو تكريم عام يشمل الإنسان من حيث هو إنسان، بغضّ النظر عن دينه أو جنسه أو لونه أو أصله. وبهذا المفهوم، لم تعد الكرامة منحة تُعطى أو تُسلب، بل حقًا أصيلًا ثابتًا، يُعد الاعتداء عليه خروجًا عن مقاصد الشريعة وروحها.

وقد أرست الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة لحقوق الإنسان، تقوم على حفظ الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. وهذه المقاصد الكبرى ليست مجرد شعارات نظرية، بل قواعد عملية تهدف إلى حماية الإنسان من الظلم، وضمان أمنه وكرامته، وتحقيق التوازن بين حرية الفرد ومصلحة المجتمع. وربط الإسلام بين الحقوق والواجبات، معتبرًا أن الحرية مسؤولية، وأن العدالة لا تقوم إلا على أساس أخلاقي يحفظ للإنسان إنسانيته.
غير أن التجربة التاريخية للمجتمعات الإسلامية لم تكن دائمًا انعكاسًا نقيًا لهذه المبادئ. فقد شهدت بعض الفترات انحرافات خطيرة، وظهور أنظمة حكم استبدادية، واستغلال الدين لتبرير القمع وسلب الحقوق. وأسهم هذا الواقع في خلق فجوة واضحة بين النص والتطبيق، وبين القيم المعلنة والممارسات الفعلية، وهو ما فتح الباب أمام اتهام الإسلام ظلمًا بأنه دين ينتقص من حقوق الإنسان، في حين أن الخلل الحقيقي يكمن في سوء الفهم والتوظيف، لا في المبادئ والتشريع.
وتبرز قضية حقوق المرأة بوصفها من أكثر القضايا التي يُساء استخدامها في هذا السياق. فقد جاء الإسلام في زمن كانت فيه المرأة تُعامل كمتاع، تُورث ولا ترث، وتُسلب إرادتها وكرامتها، فجاء ليضع حدًا لهذا الوضع المهين، فحرّم وأدها، وأقر لها حق الحياة، والملكية، والميراث، والتعليم، والاختيار، والمشاركة الاجتماعية، وجعلها شريكة للرجل في التكليف والمسؤولية الإنسانية. أما الممارسات التي لا تزال تنتقص من مكانة المرأة في بعض المجتمعات، فهي ممارسات ثقافية واجتماعية لا تمثل الإسلام، بل تتعارض مع روحه ومقاصده.

ومع تطور الدولة الحديثة وظهور المنظمات الدولية، تبلورت منظومة عالمية لحقوق الإنسان تُوّجت بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. ورغم ما حققته هذه المنظومة من تقدم نظري، فإنها لم تسلم من الانتقادات، بسبب ازدواجية المعايير في التطبيق، أو توظيف الخطاب الحقوقي لخدمة مصالح سياسية واقتصادية. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول موقع التصور الإسلامي لحقوق الإنسان من هذه المنظومة، وهل يتعارض معها أم يتقاطع معها في جوهر القيم.
إن التصور الإسلامي لحقوق الإنسان لا ينطلق من فكرة الإنسان المنفصل عن القيم، بل يربط الحقوق بالمسؤولية، والحرية بالأخلاق، والكرامة بالالتزام. فحقوق الإنسان في الإسلام ليست نتاج توافق سياسي عابر، بل نابعة من مصدر تشريعي يجعل الإنسان مكرمًا ومسؤولًا في آن واحد. ومن هنا، فإن المقارنة المنصفة بين الإسلام والمنظومات الحقوقية الحديثة تقتضي التمييز بين المبادئ والنماذج التطبيقية، وألا تُحاكم النصوص بسلوكيات الأنظمة أو الأفراد.

إن إحياء اليوم العالمي لحقوق الإنسان ينبغي ألا يكون مناسبة احتفالية شكلية، بل فرصة حقيقية لمراجعة الخطاب والممارسة، وللتأكيد على أن حقوق الإنسان لا تُختزل في الشعارات، ولا تتحقق بالبيانات، بل بتجسيد القيم في الواقع، وبمواجهة الظلم أيًّا كان مصدره. كما يفرض هذا اليوم مسؤولية خاصة على المجتمعات الإسلامية لإعادة قراءة تراثها الحقوقي قراءة واعية، وتصحيح الممارسات التي تتناقض مع جوهر الإسلام، وتقديم نموذج حضاري يعكس قيم العدل والرحمة والكرامة.

ختامًا، تؤكد الرسالة الإسلامية أن الإنسان لا يُقاس بلونه أو جنسه أو أصله أو مكانته الاجتماعية، بل بإنسانيته وأخلاقه ومسؤوليته تجاه نفسه والآخرين. وهكذا يظل الإسلام، في جوهره، مرجعًا حضاريًا وأخلاقيًا أصيلًا في الدفاع عن الكرامة الإنسانية، وتحقيق العدالة، وترسيخ المساواة الحقيقية بين البشر، في عالم ما زال يعاني من فجوة عميقة بين المبادئ المعلنة والواقع المعيش.



محمد مصعب
باحث، جامعة دار الهدى الإسلامية

إرسال تعليق

أحدث أقدم