عمر الخيّام، النجم في حقبة الأحلام

 

عمر الخيّام رحّالةُ الأحلام في حقبةِ الأحلام، في العصر الوسيط. كان كاتبًا مُبدعًا وشاعرًا مُفلِقًا، نال المرتبةَ العُليا في قلوب الملوك والعُـموم، وأثّر فيهم بجواهر كلماته ومُركّباته. لقد تجاوز حدودَ الأفكار التي كان يُعَدّ ويُتعيَّن بها الإنسانُ المُعاصِر. شاعرٌ، عالمٌ، رياضيٌّ، فلسفيٌّ، وفلكيٌّ بارع. وهكذا لا يوجد في أرجاء الأرض موضعٌ إلا وقد تضوعت فيه رائحةُ شعرِه ونثرِه. وُلِدَ عمر الخيّام في نيسابور، الواقعة وراء إيران، سنة 1048م، لأبيه إبراهيم الخيّام. وهناك قولٌ آخر بأنَّ ميلاده كان في مكانٍ آخر غير نيسابور، ولكنَّ المؤرخ البيهقي أثبت أنَّ الخيّام وذريته من نيسابور. وكانت أسرة عمر تعمل في صناعة الخيام، ولذلك لُقِّبَ بـ 'الخيام'، أي صانع الخيام. واسمه الكامل هو عبد الفتح عمر بن إبراهيم الخيّام. ويقول مؤرخ حياة الخيّام رحيم مالكي إنَّ أباه أقبل إلى الإسلام من ديانةٍ وطنية، لكن بعض المؤرخين الآخرين خالفوه في هذا القول. ويُقال أيضًا إنَّه كُنِّيَ بأبي الفتح لأن له ابنًا يُسمّى الفتح، غير أنَّه لا توجد أدلة قاطعة تثبت هذا القول.

علّمه أبوه، رغم أميّته، حُسنَ الترتيب والتدبير. وفي تلك الأيام كانت نيسابور مركزًا من مراكز العلم، تجري فيها العلوم كجداول في حقبةٍ ذهبيّةٍ من الحضارة الإسلامية. أرسل إبراهيم الخيّام ابنه إلى القاضي محمد ليتلقى التعليم الابتدائي. وقد التقى بين القاضي والخيّام حوارٌ عجيب وكلماتٌ مدهشةٌ تدلّ على ذكاء عمر الخيّام الفطري وجاذبيته. بعد صحبته للقاضي، تعلّم الخيّام القرآن الكريم، والنحو، والبلاغة، وعلوم الدين، حتى بلغ مرتبةً عليا في هذه الفنون. وبعد أن أتمّ علومه الأساسية، أرسله القاضي إلى الشيخ عبد الحسن العبري، فتلقّى منه علم الرياضيات والفلك. وكان الشيخ عبد الحسن من حُكّام عصره، واسع الاطلاع على الثقافة والحضارة، فتعلم الخيّام منه أيضًا كتاب 'المجسطي' لبطليموس. ثم أكمل دراسته في الفقه والقرآن على يد الإمام موفق النيسابوري، وبعدها اتجه إلى تعلم الفلسفة على يد الشيخ محمد المنصور، أحد فلاسفة ذلك العصر المشهورين. وفي تلك المرحلة تأثر الخيّام بفكر ابن سينا، وأمعن فيه حتى أصبح نقطةَ تحوّلٍ في حياته العلمية والفكرية، حيث جدد في دراسته روحًا فلسفيةً جديدة مستمدة من فكر ابن سينا، ولكن برؤيةٍ مستقلةٍ خاصةٍ به.

وكانت الأمة العربية والإسلامية آنذاك في قمة علومها المادية والعقلية، إلا أن الخيّام لم يُرِد أن يكون تابعًا لأحد أو عضوًا في جماعة فكرية محددة، بل كان مستقلَّ الفكر، متحرّرًا من الجدل العقيم الذي دار بين الحلويين والفاطميين والسنّيين وغيرهم في ذلك العصر. وكان همه أن يوحِّد بين العلوم والدين والمعرفة، ويسمو بها فوق الخلافات. ورغم أن التاريخ العالمي لم يُنصِف الخيّام تمامًا في زمانه، فإن اكتشافاته العلمية والفكرية ما زالت تُدهش العقول في كل مكان. وقد رافق في زمانه الإمام الغزالي وإمام الحرمين الجويني، ورغم اختلاف الرؤى بينه وبين الغزالي، فإن علاقة الصداقة بينهما كانت قوية لا يقدر أحد على قطعها. ويرى بعض المؤرخين أن كتاب 'تهافت الفلاسفة' للإمام الغزالي كُتب ردًّا على بعض آراء الخيّام ونظرياته. وقد كان علماء نيسابور يعدّون الخيّام من أبرز علماء عصرهم، حتى لُقِّب بـ 'حجة الحق'، تقديرًا لعلمه ومكانته. نال احترام الملوك، وخاصة السلطان ملكشاه السلجوقي والسلطان أحمد سنجر السلجوقي، اللذين قرّباه ورفعا منزلته.

لم يكن الخيّام ظلمةً بل كان نورًا أضاء بنفسه وبكتبه الممتازة. وكان له عدد من التلاميذ والعلماء الذين نهلوا من علمه، مثل البيهقي والنظامي وغيرهما. وقد شارك في النقاشات الفكرية حول علم الكلام الذي كان من أهم موضوعات الحكماء المسلمين في العصر الوسيط، وتجاوز بأسلوبه عوائق التعليم والاختلافات الفكرية، مواصلًا رسالة العلم والفكر. ورغم بعض الاتهامات التي رُميت إليه بأنه خارج عن العقيدة أو الإيمان، إلا أن كتاباته تُظهر إيمانًا عميقًا بالله، إذ كان يبدأ كل كتبه بحمد الله وشكره. لقد وهب الخيّام للإنسانية علمًا واسعًا وفكرًا خالدًا وحكمةً باهرة، ويَرقد اليوم في مقبرة نيسابور، حيث يخلّد التاريخُ ذكره عالِمًا وشاعرًا وفيلسوفًا خالد الأثر


محمد سهل بانور

طالب من مجمع دار الحسنات الإسلامية 


إرسال تعليق

أحدث أقدم