علي عزت بيغوفيتش: الأحلام التي لم تتحقق

 

رئيس البوسنة والهرسك، والمفكر، والمثقف، والقانوني في يوغوسلافيا السابقة — جميع هذه الأوصاف تليق بالزعيم والمحرر البوسني المسلم علي عزت بيغوفيتش. لقد كان رائدًا في تعزيز الهوية الوطنية للمسلمين البوسنيين، وسعى جاهدًا لتوحيد الكروات والصرب والمسلمين في إطار سياسي واحد، وهي مهمة سياسية جذبت أنظار العالم بأسره. من خلال كتاباته، قدّم رؤية فكرية فريدة تمزج بين النهضة الأوروبية والروحانية الإسلامية. كان حلمه أن تكون البوسنة دولة يسود فيها التعايش والسلام بين جميع المكوّنات بغض النظر عن الدين أو العرق، وظلّ يدافع عن هذا الحلم حتى آخر أيامه.

المولد، الطفولة، والتعليم

وُلد علي عزت بيغوفيتش عام 1926 في مدينة شامايتس بالبوسنة. كانت أسرته تقيم أولاً في بلدة صغيرة تُدعى بوسانسكي شاماتس، ثم انتقلت إلى سراييفو بحثًا عن فرص تعليم أفضل. نشأ في أسرة محافظة تؤمن بالقيم الإسلامية والعلم معًا. منذ طفولته كان شابًا جادًا، متدينًا، ويمتلك تفكيرًا نقديًا عميقًا. أبدى اهتمامًا مبكرًا بدراسة الرسالة الاجتماعية للإسلام، كما تابع تطورات الفكر السياسي في أوروبا مثل القومية والشيوعية والفاشية التي كانت تنتشر في تلك الفترة.تخرّج من جامعة سراييفو حيث درس الأدب والعلوم والقانون، وعمل محاميًا لأكثر من خمسةٍ وعشرين عامًا. جمع في مسيرته بين الفقه والقانون، والإيمان العميق بالعدالة والحرية، ما جعله شخصية محبوبة ومحترمة في المجتمع البوسني.

الحياة في السجن

في عام 1946، سُجن علي عزت بيغوفيتش لمدة ثلاث سنوات بتهمة المشاركة في أنشطة تهدف إلى الدفاع عن حرية الدين وحقوق الإنسان، وهي التهمة التي وُجهت إلى كثير من المثقفين المسلمين في يوغوسلافيا الشيوعية آنذاك. لم يثنه السجن عن فكره، بل زاده إصرارًا على العمل من أجل كرامة الإنسان وحريته.وفي عام 1949، اعتُقل مرة أخرى بتهمة ارتباطه بـ"منظمة الشباب المسلمين" (Young Muslims Organization)، وهي حركة فكرية وثقافية كانت تدعو إلى نهضة إسلامية سلمية. في ما عُرف بـ"قضية سراييفو 12"، أُدين مع أحد عشر مثقفًا آخرين، وحُكم عليه بالسجن اثنتي عشرة سنة. غير أن الضغط الدولي من منظمات مثل منظمة العفو الدولية، إلى جانب تضامن الدول الإسلامية، أدى إلى الإفراج عنه بعد خمس سنوات فقط.

كانت سنوات السجن بالنسبة له مرحلة تأمل وتكوين فكري. لم يتوقف عن القراءة والكتابة رغم الرقابة الصارمة. كتب أفكاره على أوراق صغيرة خبأها عن الحراس، لتتحول لاحقًا إلى واحدة من أهم كتبه، "مذكرات السجن"، التي جسدت تجربة إنسانية عميقة ومعاناة فكرية وروحية في سبيل الحرية.

الأفكار والكتابات

برز علي عزت بيغوفيتش كأحد أبرز المفكرين المسلمين في القرن العشرين، جمع في فكره بين العقلانية الأوروبية والروح الإسلامية. من أشهر مؤلفاته كتاب "الإسلام بين الشرق والغرب" الذي قدّم فيه رؤية فلسفية متكاملة للإسلام بوصفه نظامًا للحياة والفكر، لا يقتصر على العبادات بل يشمل المجتمع والسياسة والثقافة.في هذا الكتاب، يرى أن الإسلام لا يقف في مواجهة الغرب، بل يقدّم طريقًا وسطًا يجمع بين الروح والعقل، وبين المادة والمعنى. كما تناول قضايا مثل الحرية، والأخلاق، والعلاقة بين الدين والحضارة، والإنسان والكون.

ومن أبرز مؤلفاته الأخرى:

        "الدين والأخلاق"

        "الحياة والحرية"

        "الإسلام والتاريخ"

        "رسائل إلى أبنائي"

        "تأملات سياسية"

تُرجمت كتبه إلى لغات عدة، وأثرت في المفكرين الإسلاميين حول العالم. كان يؤمن بأن الإسلام دين حضارة وتقدم، وأن الحلول الحقيقية لأزمات الإنسان الحديث تكمن في توازن الإيمان والعقل.

الزعيم والمحرر

في عام 1990، انتُخب علي عزت بيغوفيتش رئيسًا لجمهورية البوسنة والهرسك بعد تفكك يوغوسلافيا. مثّل انتخابه أملًا جديدًا لشعبٍ عانى من عقود من التهميش. قاد البوسنيين في أصعب فترات تاريخهم، حين واجهوا العدوان الصربي الوحشي خلال حرب التسعينيات.رغم كونه زعيمًا مسلمًا، إلا أنه خلال رئاسته دافع عن حقوق جميع مواطني البوسنة — مسلمين وكروات وصرب على حد سواء. كان يرى أن البوسنة لا يمكن أن تزدهر إلا كدولة متعددة الأعراق والأديان تقوم على مبدأ المساواة والعدالة.وعندما اندلعت الحرب عام 1992، وبدأت القوات الصربية حملة "التطهير العرقي" ضد المسلمين، دعا بيغوفيتش شعبه إلى الصمود والوحدة، وطالب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الإسلامية بدعم بلاده. سعى إلى الحفاظ على المؤسسات الدينية والتعليمية، واتخذ خطوات عملية لحماية دور العبادة وتعزيز التعايش الديني.لم يكن يؤمن بالعنف من أجل الدين، بل بالإقناع والحوار. لذلك ظل رمزا عالميا للمقاومة الفكرية والسياسية في وجه الطغيان، ولقّب بـ"ضمير البوسنة".

الأحلام التي لم تتحقق

حلم علي عزت بيغوفيتش ببناء بوسنة ديمقراطية موحّدة يعيش فيها الجميع بسلام. إلا أن اتفاقية دايتون للسلام التي وُقّعت عام 1995، رغم أنها أنهت الحرب، فقد قسمت البلاد فعليًا إلى كيانات عرقية، وأوجدت نظامًا سياسيًا هشًا يقوم على المحاصصة.رأى بيغوفيتش أن هذه الاتفاقية أوقفت القتال لكنها جمدت العدالة والوحدة، وجعلت الحلم ببوسنة متماسكة مؤجلاً إلى أجل غير معلوم. ومع ذلك، ظل يؤمن بأن المستقبل سيحمل جيلًا جديدًا يعيد إحياء فكرة الوحدة والتعايش التي عاش من أجلها.كان يقول دائمًا: "قد نستطيع العيش دون دولة، لكن لا يمكننا العيش دون حرية." هذه العبارة لخّصت فلسفته في الحياة والسياسة على حد سواء.

لأيام الأخيرة

في عام 2000، اضطر علي عزت بيغوفيتش إلى اعتزال الحياة السياسية بسبب تدهور حالته الصحية، بعد عقود من الكفاح والعمل الفكري والسياسي المتواصل. وفي 19 أكتوبر 2003، توفي في سراييفو إثر أزمة قلبية حادة عن عمر يناهز السابعة والسبعين.شيّعه الآلاف من أبناء البوسنة والعالم الإسلامي، ونعاه قادة من مختلف الدول باعتباره رمزًا للنضال والكرامة الإسلامية. ترك وراءه فكرًا خالدًا وإرثًا إنسانيًا عميقًا يدعو إلى الإيمان والحرية والعدل، وإلى التوازن بين الروح والعقل.رغم رحيله، لا يزال فكره حيًا في الأجيال الجديدة التي تستلهم منه معنى الصمود والتعايش في عالم تمزقه الانقسامات. فالأحلام التي لم تتحقق في حياته، ما زالت تشكل بذور الأمل في مستقبلٍ أفضل للبوسنة وللإنسانية جمعاء.


عبد العلي 

طالب جامعة دار الهدى الإسلامية


إرسال تعليق

أحدث أقدم