استُهلّت بطولة كأس العالم 2026 باحتفالات صاخبة على أرضية ملاعب شاسعة، لتسجل حدثاً استثنائياً في تاريخ المونديال. وفي حين تتعالى أصوات المشجعين وهتافاتهم الفرحة في جانب، تصبّ في الجانب الآخر اتهامات وانتقادات تشوب هذه النسخة الجديدة التي تستضيفها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. ورغم أن أمريكا تحظى بنصيب الأسد من المباريات، إلا أن الجماهير والعامة لا يشعرون بالتفاؤل ذاته الذي رافق نسخة قطر 2022 المتميزة؛ لا سيما وأن التوجهات السياسية للولايات المتحدة أصبحت تفرض ظلالها على هذا المحفل الضخم، وسط تساؤلات حول مدى خضوع الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للإدارة الأمريكية ولتوجهات دونالد ترامب.
وفي الواقع، يرى منتقدون أن كأس العالم الحالية باتت تعكس بعض توجهات ترامب وشعاراته الدعائية، مما أثر سلباً على الإجراءات المتعلقة بالبطولة تجاه دول أفريقية ومنطقة غرب آسيا. ومن أبرز الشواهد التي أثارت الجدل، ما تداولته التقارير عن منع الحكم الصومالي "عمر عرين" (الحاصل على جائزة أفضل حكم في أفريقيا لعام 2025) من دخول البلاد وإعادته من مطار ميامي، واحتجاز مهاجم المنتخب العراقي أيمن حسين لساعات في مطار شيكاغو بذريعة الإجراءات الدبلوماسية. كما واجه منتبخا أوزبكستان والسنغال قيوداً مشددة، في حين تعرض المنتخب الإيراني لعرقلة واضحة تمثلت في تأخير منح تأشيرات الدخول للمسؤولين واللاعبين ورفض إقامتهم، بذريعة المخاوف الأمنية، وهو ما فُسّر بأنه انعكاس للموقف السياسي الأمريكي تجاه إيران. وفي المقابل، واجه رئيس الفيفا "جياني إنفانتينو" انتقادات لاذعة اتهمته بإظهار دعم مفرط لتوجهات ترامب، مما كشف عن أجندات يراها البعض تمييزية وتستهدف الدول الإسلامية والأفريقية.
وبالإضافة إلى ذلك، يبرز سؤال جوهري حول حياد الاتحاد الدولي لكرة القدم، المسؤول الأول عن إدارة البطولة ومنح حقوق وتسهيلات متساوية لجميع المنتخبات دون الرضوخ للضغوط الخارجية. وثارت الشكوك حول استقلالية الفيفا بعد ظهور إنفانتينو في حفل الافتتاح مرتادياً قبعة تحمل شعار ترامب الشهير "اجعلوا أمريكا عظيمة مرة أخرى" (MAGA)، وتقديمه "جائزة الفيفا للسلام" للرئيس الأمريكي.
تسترعي هذه الأحداث غير المألوفة الانتباه إلى إقحام المفاهيم السياسية والتوجهات الشخصية داخل أروقة الفيفا، وهو ما يخالف النظام الأساسي للاتحاد (دستوره)، ولا سيما المادة 15 التي تنص صراحة على التزام الأعضاء بالحياد التام في الشؤون الدينية والسياسية، ومحاربة كل أشكال التمييز. وما زاد الوضع سوءاً هو صمت مسؤولي الفيفا تجاه هذه الاتهامات؛ إذ تمثل رد رئيس الفيفا على تساؤلات الصحفيين حول ارتفاع أسعار التذاكر، وتأخير التأشيرات، بعبارة: "اهدأوا واستريحوا"، ملقياً بالمسؤولية كاملة على عاتق الحكومة الأمريكية، ومتهرباً من الإجابة المباشرة.
وفي المقابل، شهد العالم في مونديال قطر 2022 مهرجاناً رياضياً استثنائياً تلاحمت فيه الشعوب من مشارق الأرض ومغاربها تحت سقف واحد، مبرزةً ثقافاتها العريقة في أجواء من الأصالة والقيم الإسلامية المضيافة. وحظي المشجعون بأعلى مستويات الراحة والأمان دون أي تمييز سياسي أو ديني. ورغم الهجمات الإعلامية الشرسة التي شنتها بعض الصحف الغربية، والجدل الذي أثارته حول حقوق العمال المهاجرين والقوانين الاجتماعية، إلا أن الحقيقة فرضت نفسها في النهاية، واضطر الجميع -حتى الخصوم- إلى الإشادة بالتنظيم المبهر والنجاح التاريخي للبطولة.
لقد قدمت حكومة قطر كل التسهيلات والخدمات اللوجستية بشفافية تامة، ووفرت احتياجات الزوار في مجالات السكن، والنقل، والطعام، وأطلقت نظام "بطاقة هيا" لتسهيل السفر الدولي وتيسير إجراءات التأشيرات. كما كانت أسعار التذاكر مدروسة ومتاحة؛ إذ تراوحت في مرحلة المجموعات بين 11 و220 دولاراً، بينما تقفز الأسعار في مونديال 2026 لتتراوح بين 100 و575 دولاراً. ويرى مراقبون أن النسخة الحالية تشهد استغلالاً اقتصادياً للمشجعين من حيث تكاليف السفر والتذاكر، فضلاً عن الصعوبات البالغة التي تواجه مواطني دول مثل إيران، هايتي، السنغال، وساحل العاج في الحصول على التأشيرات. فبينما ركزت قطر على زرع بذور الأخوة والإنسانية والانسجام بين المليارات حول العالم، يُتهم الفيفا اليوم بالتواطؤ مع الإدارة الأمريكية في تكريس مظاهر التمييز والتعصب الإقليمي.
وفي الختام، يتضح أن كأس العالم لم يعد مجرد بطولة رياضية، بل تحول إلى ظاهرة معقدة تتقاطع فيها الرياضة بالسياسة والثقافة. وإذا كانت بعض النسخ -مثل مونديال قطر 2022- قد قدمت نموذجاً يحتذى به في التنظيم والعدالة، فإن النسخ الأخرى ما زالت تثير الجدل حول تسييس الرياضة وتضارب المصالح. وبناءً عليه، فإن مستقبل كأس العالم بات رهناً بمدى قدرة الاتحاد الدولي لكرة القدم على استعادة شفافيته وحياده الكامل بعيداً عن التجاذبات السياسية.
أنفاس وايناد
مجمع ك.أم.أو. الإسلامي كودوالي
Tags:
مقالة
