الحروب الخدّاعة: ما أخطأ الأطفال




 




لن يَمحُ الزمنُ، ما دامت الذاكرة حيّةً تنبض، صورةَ ذلك الغلامِ السوريّ "آلان كردي"، الذي لفظه البحرُ جسدًا هامدًا، فحملته أمواجُ الأسى إلى سواحلِ تركيا، على ضفافِ البحرِ الأبيضِ المتوسّط.
هناك، على الرملِ المبلّلِ بالحزن، ارتمى الجسدُ الصغيرُ كأنّه آيةٌ من السماءِ، كُتِبَت على صفحةِ الأرضِ لتوقظَ ضميرًا بشريًّا رانَت عليه الغفلة، وتُذكِّر العالمَ بأنّ الطفولة حين تُغتال، فإنّ الإنسانيّة كلّها تُجرَح في قلبها النازف
لقد كانت صورتهُ المضرّجةُ بالصمت، أبلغَ من كلّ خِطاب، وأقوى من كلّ احتجاج؛ إذ اخترقتْ براءتُه الساكنةُ جدارَ الصمتِ الدوليّ، و

كشفتْ للناظرين هولَ ما يجري في أرضِ الشام من حربٍ ضروس، وإرهابٍ مُستطير، وصراعٍ أهوجَ لا يُبقي ولا يذر.
وفي تلكَ اللحظةِ المفجعة، خفقتِ القلوبُ في أرجاءِ المعمورة، وتعلّقتِ الأرواحُ بابتهالٍ حارّ، أن تكونَ تلك الفاجعةُ آخرَ المآسي، وأن يُطوى سجلُّ الدماءِ والفواجعِ عند حدودِ ذلكَ الطفلِ النائمِ نومةَ الأبد، على شاطئٍ رسمَ وجعَ العالمِ بأهدأِ ما يكون من العتاب.
غير أنّ الأمل الذي وُلد حينها، ما لبث أن وُئد، فها نحن، بعد أعوام طوال، لا نزال نشهد صورًا شبيهة، لبراءات تُسرَق، وطفولات تُدفَن قبل أن تنضج أحلامها، كأن الزمان يعيد نفسه في مآسٍ لا تنضب، والوجع يمتد، شاهدًا دامعًا على أن هذا العالم، رغم ادّعائه التحضّر، لم يبرأ بعدُ من دائه القديم
في زوايا الفواجع الغامضة، حيث تندلع نيران الانفجارات وتضطرم نذر الاشتباكات، وفي حضرة أنين الدمار الموحش، وصمت الفقد المؤلم، ومرارة الفراق الفادح، تُهمَل براءات الطفولة وتُطوى في ظلال النسيان، فلا تجد من يُصغي إلى أنينها، ولا من يلتفت إلى دمعها المنهمر في صمت.
وهل من فاجعة أبشع من أن يُكتب على أولئك الأطفال أن يكونوا، وهم لم يَبرحوا عتبة الوعي بالحياة، قرابين للقتل والخراب، وضحايا للمجازر التي لا ترحم، وللجوع الذي لا يفرق بين بريء ومذنب؟ فيسقطون محترقين في دروب لم يخطوها بإرادتهم، ولم يقترفوا ذنبًا يُبرّر لهم هذا العقاب المريع.
وفي حين يسعى البشر ــ من جهة ــ إلى تشييد ممرات اقتصادية عظمى، وعقد مواثيق السلام السياسي على طاولات المصالح المتشابكة، فإن من الجهة الأخرى، تغوص أمم بأكملها في مستنقعات الدم، وتُبتلى شعوب بأهوال الحرب وويلاتها، فلا يجدون للسلام طيفًا، ولا للعدالة أثرًا.
أفليس من المعيب، بل من المفجع جدا، أن يدّعي هذا العصر تحضّرًا ومدنية، بينما لا يزال يُدار بعقلية الغاب، وتُغذّيه نزعة التوحش المقنّع برداء الحداثة؟ فأين هو التقدّم إذا كانت الطفولة تُسحق تحت أقدام الطغيان، وأين هو الارتقاء إذا كانت إنسانية الإنسان قد تهاوت في امتحان الرحمة؟
إن أشدّ ما تُبتلى به البشرية في دروب مآسيها الممتدة عبر الزمان، أن يكون الأطفال، ببراءتهم النقية ونفوسهم الغضة، هم أولى الضحايا وأعمقهم جراحًا. فما من حرب دارت رحاها، ولا من نزاع اشتعل أواره، إلا وكان لهؤلاء الصغار النصيب الأوفر من الألم والفقد والضياع. ولئن خَرست الألسن، واحتجبت الأجفان عن البكاء، فقد نطقت الصور بما لا تطيقه الكلمات.
ألم نرَ جميعًا، ذات أيلول من عام 2015، صورة الطفل السوري "آلان كردي" وقد قذفته أمواج البحر إلى شواطئ تركيا؟ ذاك الغلام الذي لم يتجاوز عامه الثاني، غفا إلى الأبد على رمال غريبة، بعدما انقلب بهم قارب الهجرة في طريقهم إلى شطآن الأمان. كانت صورته صرخة مدوية في وجه العالم، كشفت عن أهوال المجازر التي فتكت بسوريا، وعن مأساة لاجئين شُرِّدوا وتفرّقوا في بقاع الأرض بلا مأوى ولا معين.
وكما نطقت صورة آلان بما في القلب من لوعة، نطقت كلمات "آن فرانك" في دفتر مذكراتها، وهي التي قضت مع أهلها عامين في مخبأ ضيّق بأمستردام، هربًا من بطش النازية، حتى ألقت بها الأقدار في براثن الموت. ما دوّنته تلك الفتاة لم يكن مجرد خواطر، بل كان مرآة تعكس بشاعة ما اقترفه النازيون من اضطهاد وقتل وسفك لدماء الأبرياء من اليهود وغيرهم، إبّان الحرب العالمية الثانية.
ولم تكن فيتنام بعيدة عن هذا المشهد المأساوي؛ ففي الثامن من حزيران لعام 1972، التقطت عدسة الزمن صورة خالدة لطفلة لم تتجاوز التاسعة، تجري على الإسفلت صارخة، وقد التهمت ألسنة النيران جسدها الصغير، إثر غارة جوية بقنابل النابالم. لم تكن صورتها مجرد لحظة عابرة، بل كانت ضميرًا حيًّا استصرخ الإنسانية جمعاء، ليُنشد العالم آنذاك بصوت واحد: لا للحرب، لا للمجازر، لا للفناء.
في رقاع شتى من هذا العالم الجريح، من غزة إلى السودان، ومن اليمن إلى أوكرانيا، لا تزال المشاهد المفجعة تتكرّر، بل وتزداد هولًا وفظاعة، كأن القدر أبى إلا أن يجعل من الدم قدرًا دائمًا لأمم بأسرها. ففي غزة، ومنذ أكثر من ثمانية عشر شهرًا، ظلّت نيران العدوان تشتعل بلا هوادة، حتى تجاوز عدد الأطفال الذين قضوا نحبهم عتبة الخمسة عشر ألفًا، وكلّ طفلٍ منهم حكايةٌ مبتورة، وحلمٌ لم يُكتب له أن يُروى.
وما إن أطلّ مارس من عام 2025، وجاءت هدنة هشّة تُدعى "وقفًا لإطلاق النار"، حتى نقضتها آلة الحرب الصهيونية، فعادت لتفتك من جديد، وأزهقت أرواح نحو ثلاثمئة طفل، وأثخنت الجراح في ستمئة غيرهم، دون أن يرفّ للعالم جفن، أو تتحرّك له ضمائر.
وها هو الحصار يشتدّ، والخناق يضيق، إذ تمنع القوات المحتلّة دخول المواد الغذائية والأدوية وسائر الحاجات الضرورية من الجهات الأربع، فلا ماء يُروى به الظمأ، ولا دواء يُخفف به الألم، ولا مأوى يأوي إليه الخائف، حتى غدا أكثر من سبعمئة ألف طفل في غزة يصارعون الجوع والعطش والبرد والمرض، وقد غُيّبت عنهم شمس الطفولة، وسُرقت من أعينهم بسمات الحياة.
أي جرح هذا الذي لم يُضمّد؟ وأي نكبة هذه التي لا تجد لها خاتمة؟ كأنّ هؤلاء الأطفال كُتب عليهم أن يكونوا، في كل عصر، وقود الحروب، وضحايا الأطماع، وصدى للنداء الذي لا يُستجاب.
أما السودان، ذاك الوطن الذي أنهكته النكبات وتكاثفت عليه الكروب، فقد غاب عن أعين الإعلام، وارتدّ عنه ضوء الكاميرات، حتى خُيّل للناس أنه في سكينة، وهو في الحقيقة يغلي في مرجل الفوضى والدماء. فمنذ أن اندلعت شرارة الصراع في أبريل من عام 2023، انفتحت أبواب الجحيم على مصراعيها، لتبتلع أرواحًا بريئة، وتُطيح بمستقبل أجيال لم تكد تفتح أعينها على الحياة.
لقد أضحت أزمة الأطفال هناك من أعظم الكوارث في عصرنا الحديث، إذ تُفيد الإحصاءات أن في كل عشر ثوانٍ، يُجبر طفل على الهرب من داره، فزعًا من نار المعارك، أو هربًا من مصير أسود يترصده. وقد بلغ عدد الأطفال المُهجّرين إلى اليوم نحو ستة ملايين ونصف، فيما أُقصي سبعة عشر مليونًا من المدارس ومقاعد التعلم، فغابت عنهم شموس المعرفة، وتبدّدت أحلام العلم تحت ركام الحرب.
أما المجاعة، فهي السيف المسلول على رقاب الجميع، إذ يقاسي أكثر من أحد عشر مليونًا ونصف الجوع المدقع، لا يجدون ما يسدّ الرمق أو يُقيم الأود. وأشدّ الفئات تضررًا هم النساء والأطفال، الذين وقعوا فرائس لوحشية لا يصدّقها عقل ولا يستوعبها وجدان: من اغتصاب وتحرش، إلى اختطاف، إلى تجنيد قسري للأطفال في صفوف المقاتلين، في مشاهد تُخجل الضمير وتبكي الحجر.
ويُقال إن زهاء أربعة ملايين طفل دون سن الخامسة يعانون جوعًا شديدًا، لا يملك الجسد الضعيف أن يقاومه. وفي ظل انهيار النظام الصحي، أصبحت الأوبئة تتفشّى كما النار في الهشيم، لا يردعها حائط، ولا يُوقفها دواء، في مشهد قاتمٍ يُنذر بما هو أدهى وأمرّ، ما لم تصحُ الإنسانية من غفلتها
لدرءِ هذه الأزمة ومعالجتها على الوجه الأكمل، لا بُدّ من اتباع نهجٍ متعدّد الأبعاد، يجمع بين الحِكمة والتدبير. فأوّل ما يُلزم به المقام، إعداد جهدٍ عالميٍّ منسّق، يُعنى بمنع النزاعات، والسعي إلى حلّها بين الأطراف كافّةً بالوسائل السلميّة، والتماس الوفاق بالحوار والعقل الرشيد. وإنّ الحلول الدبلوماسيّة العاجلة، والمَساعي الحميدة، واستقصاء الجذور العميقة للصراع، لهي من الضرورات الملحّة التي لا غنى عنها لحماية الأطفال من أهوال الحرب ومآسيها.
ولَعمري إنّ الأمم إذا لم تُسارع إلى التلاقي عند بوّابة العقل، وتتخذ من العدالة ميزاناً، ومن الرحمة سراجاً، فإنّها تُلقي بأجيالها في لجج التيه، وتزرع الشقاء في قلوب بريئة لم تعرف بعدُ معنى الطمأنينة. فالسعي إلى السلام ليس مجرّد نداءٍ أخلاقي، بل هو فرضٌ حضاريّ، تستقيم به الموازين وتُردّ به المظالم.
وأمّا الشِّقُّ الآخر من الواجب، فهو إيصالُ العونِ الإنسانيّ العاجل والشامل إلى كلّ طفلٍ جُرِحَت براءتُه وذبلَت ملامحُه تحت وطأةِ تلك الاعتداءاتِ الوحشيّة. ويتضمّنُ هذا العونُ تقديمَ الغذاءِ الكافي، والماءِ الزلال، والمأوى الآمن، والرعاية الطبيّة المتخصّصة، والدعم النفسيّ والاجتماعيّ، بما يراعي هشاشتَهم ويُعزّز قدرتَهم على التماسكِ في وجهِ المحنة.
ولا بُدّ من عنايةٍ خاصّةٍ بإنشاءِ مساحاتٍ صديقةٍ للأطفال، تُهيّأ فيها أجواءٌ من الأمان والسكينة، تُعينُهم على التخلّصِ من آثار الصدمة، وتُمهّدُ لهم سُبلَ العودةِ إلى حياةٍ تليقُ بطفولتهم المكلومة، في كنفٍ من الكرامةِ والطمأنينة.
وثالثًا، لا مناص من إرساءِ نُظمٍ قويَّةٍ، تتحلّى بروحِ المسؤوليَّة، لاقتفاءِ أثرِ أولئك الذين اقترفوا انتهاكاتٍ جسيمةً في حقِّ الأطفالِ خلالَ الصراعات، ومحاسبتِهم بما تقتضيهِ العدالة. فإنّ في ذلكَ ضرورةً لا تُدفع، ليس فحسب لردعِ الجرائمِ التي قد تقعُ في قابلِ الأيام، بل كذلك لضمانِ إنصافِ الضحايا، وإنزالِ القصاصِ العادلِ بمن أجرمَ في حقِّهم.
وأخيرًا، فإنّ من أوجبِ الواجباتِ وألزمِها في هذه المرحلة العصيبة، أن تُوجَّهَ الجهودُ نحو غاياتٍ بعيدةِ الأمد، تستثمرُ في برامجِ السلامِ البنّاء، وتُمَهِّدُ السبيلَ لإعادة تأهيلِ أولئك الأطفالِ الذين ذاقوا مرارةَ العدوان، وتقلّبوا في جحيمِ الحربِ وويلاتِها.
وإنّ تمكينَهم من استئنافِ حياةٍ كريمةٍ جديدة، لا يتأتّى إلا من خلالِ دعمِ التعليمِ الجادّ، وتوفيرِ فرص التدريبِ على الكسبِ الشريف، وإنشاءِ مشاريعَ تنمويةٍ تُعينهم على الاندماجِ من جديدٍ في نسيجِ المجتمع، وتفتحُ أمامهم نوافذَ الأملِ نحو غدٍ أكثرَ إشراقًا، وأبعدَ عن صليلِ السلاحِ وضجيجِ الدمار.
إنّ هذه القلوبَ الطاهرةَ، النقيَّةَ من دنسِ الإثمِ والعدوان، لهي أثمنُ ما في الوجودِ وأجلُّ ما يُصان. أولئك الأطفالُ الأبرياء، الذين لا علمَ لهم بماهيةِ الحربِ ولا علَّتها، حقٌّ علينا أن نأخذَ بأيديهم نحوَ غدٍ مشرق، وأن نرفعهم إلى ذُرى الأملِ والحياةِ الآمنةِ الكريمة؛ فإنّ في ذلك صَونًا لحقٍّ أصيلٍ من حقوقهم. إنّ الطفولةَ المهدورةَ في غزَّةَ، والسودانِ، واليمنِ، وسوريا، وأوكرانيا، لهي تذكيرٌ صارخٌ لنا بما نحتاجهُ من بناءِ عالمٍ يسودهُ السلامُ وتُظَلِّلهُ العدالةُ والرحمة.
وإلى أولئك الذين يخرجونَ للحربِ زاعمينَ أنّهم يجاهدونَ في سبيلِ الحقّ والدين، فإنّ وصيّةَ النبيّينَ والرسلِ عليهم السلام، لَما تزالُ ترنُّ في أسماعِ العالمينَ على مَرِّ العصور: "لا تقتلوا طفلاً، ولا امرأةً، ولا شيخًا كبيرًا، ولا مريضًا، ولا تقطعوا شجرةً مثمرة، ولا تذبحوا بعيرًا أو شاةً إلا لحاجةٍ إلى طعام، وإن رأيتم الرهبانَ معتزلينَ في صوامعهم، فدعوهم وما هم فيه.وكم هو سامٍ وعظيمٌ، ذلك التعريفُ النبيلُ الذي خطَّهُ النبيُّ الكريمُ ﷺ لمعاني الجهادِ الحقّ قبل أربعةَ عشرَ قرنًا من الزمان! تعريفٌ يفيضُ رحمةً، ويتجلّى فيه كمالُ الإنسانيَّةِ ونُبلُ المقصد. وما أحرَى هذا العالمُ الجريحُ، الذي تمزِّقُهُ الحروبُ وتستبيحُ فيه المظالمُ أرواحَ الأبرياءِ، أن يعودَ إلى تلكَ السبيلِ النورانيّةِ، ويهتديَ بنورِ ذلك الهديِ الرشيد. آهٍ، لو أنّ البشريَّةَ أعادتِ النظرَ في تلكَ الوصايا الخالدة، لعلّها تجدُ فيها البلسمَ لما تعاني،من الم والسَّكينةَ لما تفقد من حرب.

ابوبكر صديق تي في








إرسال تعليق

أحدث أقدم