تبلور لي جليا أنّ الإمارات ليست مجرّد وطن يسكن على الخريطة، بل هي في وجداننا كالأب الحاني الذي منح لأجيالنا الحياة والأمل، كما أنني قادم إليها من ولاية كيرلا في الهند، وما زلتُ أتذكر جيّدا كيف كان آباؤنا وأجدادنا يعملون في هذه التربة المباركة، يكدّون ويتعبون، ثم يرسلون ثمار جهدهم إلى أوطانهم، فبنوا بعرقهم البيوت، كما علّموا أبناءهم، وساهموا في نهضة بلادنا. ومن هنا أصبحت الإمارات في أعيننا أبًا ثانيًا، منحت آباءنا أسباب الكرامة والنماء، كما يمنح الأب أبناءه الحياة والرعاية.
وعندما وطئتُ هذه الأرض الطيبة في مايو 2024، كان الجوّ شديد الحرارة، لكن حرارة الطقس لم تُطفئ حرارة طموحي وأحلامي. فوصلتُ أولًا إلى الفجيرة، أنظر إلى كل زاوية بعين الدهشة والامتنان، وأرى هذه الأرض لا كبلد غريب، بل كامتداد لتاريخ عائلتي ومستقبل حياتي.
ثم قادتني رحلتي إلى العاصمة أبوظبي، حيث التحقتُ بمكتب للمحاماة والاستشارات القانونية، وأعمل فيه مستشارا قانونيا. منذ ذالك الحين بدأتُ أن أخوض أروع تجاربي وأجمل لحظاتي، إذ أتيحت لي الفرصة لاكتشاف الإمارات بعمق، والتعرّف إلى ثقافتها الأصيلة المتفرّدة عن سائر الثقافات. وأخذت ألامس روعة الثقافة الإماراتية، كما أغوص في تراثها العريق الموشّى بعبق الماضي وذكرياته، وأتأمل في نهضتها الزاهرة التي تمزج بين عبق الأصالة وروح المعاصرة في لوحة فريدة من الجمال والازدهار. ومن فرط شغفي، شرعتُ أبحث عن الفعاليات والبرامج الثقافية التي تجسّد هذا التراث العريق، فتجّلتْ أمامي مهرجانات كمهرجان الشيخ زايد، ومهرجان قصر الحصن، ومعرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية وكذلك مهرجان العين للتمور التي هي محطات بارزة أضاءت رحلتي، كما أتاحت لي التعمّق في الثقافة الإماراتية والتواصل مع ماضيها العريق وحاضرها المشرق.
ومن أبهى ما حظيتُ به من تجارب، دخولي إلى المجلس الإماراتي بدعوة كريمة وخاصة من أحد أصدقائي من أبناء الإمارات، فهو مكان لا يقتصر على استقبال الضيوف فحسب، بل هو بمثابة جامعة حيّة للمعرفة والحوار، ومحطة لتبادل السعادة، ومنبر للتعلّم واكتشاف الثقافة الإماراتية ونمط حياتها. وفيه أبصرت صورة حقيقية عن أصالة هذا الشعب وكرمه، وكيف يلتقي الماضي بالحاضر في أجواء من المودّة والاحترام.
ففي مستهلّ المجلس، يصطفّ الجميع على جانبي المكان، يستقبلون الوافدين بترحاب تعلوه ابتسامة ووقار، يبدأ الترحيب من شيخ المجلس أو كبير العائلة، حيث يُصافح القادمين بيده، وأحيانا يُعبِّر عن الحفاوة بملامسة الأنف بالأنف، وهو تقليد إماراتي عريق يجسّد أسمى معاني الاحترام وروح المساواة. ثم يمتدّ الاستقبال في دائرة تبدأ من اليمين إلى اليسار، ليحظى كلُّ ضيفٍ بنصيبه الوافر من الحفاوة والاحتفاء.
وبعد ذلك تُقدّم القهوة العربية مع التمر وفق أصول دقيقة من العادات، حيث يصبّ في الفنجان مقدار الثلث فقط، فإن أراد الضيف المزيد أعاد الفنجان ساكنا بلا حركة، أمّا إذا اكتفى فيُعيده بهزّة خفيفة بيده، في دلالة رفيعة على تمام الضيافة، كما يجري كلّ ذلك وفق عادات راسخة، تكشف عن جمال الثقافة وعمقها الأصيل.
ثم يجلس الحاضرون، من الأطفال إلى كبار السن، ومن ذوي الخبرة إلى الضيوف المتخصصين، فيتبادلون الأحاديث ، لكنهم جميعا يشتركون في روح واحدة قوامها الاحترام والمعرفة، كما خُيّل إليّ أنّني أجلس في جامعة مفتوحة، يلتقي فيها التاريخ بالحاضر، وتمتزج خبرة الشيوخ بحيوية الشباب، ويتآلف العلم مع العادات.
وبعد النقاشات، يجتمع الجميع حول مائدة العشاء، يتناولون الطعام معا، ويتقاسمون اللقمة كما يتقاسمون المودّة، ثم يعودون بعد الفراغ من الطعام إلى المجلس ليواصلوا جلستهم. وهناك يبدأ ساقي القهوة من جديد بتوزيعها على الحضور، فإن رغب أحدهم في الشاي السليماني قدّمه له بكرم وطيب نفس، كما يُقدَّم بعد الطعام الحلوى كجزء أصيل من تقاليدهم، في مظهر يجمع بين كرم الضيافة وروح البهجة ويجسّد عمق الثقافة الإماراتية.
إن هذه التجربة لم تُعلّمني فقط معنى الضيافة والكرم، بل عرّفتني كيف أن المجلس الإماراتي يمثّل قلب الحياة الاجتماعية، وفضاء جامعا يعكس هوية الإمارات وثراءها الثقافي.
ومنذ ذلك اليوم، أدركت أنّ حياتنا في الإمارات ليست مجرّد إقامة أو عمل، بل هي مدرسة متكاملة، تُربّينا على قيم المشاركة، والتعايش، والاحترام، وتمنحنا فرصة لنبني مستقبلا مشتركا، تماما كما بنى آباؤنا حاضرنا بفضل ما أفاض عليهم هذا الوطن من خير وأمان.
الحافظ مهجع أحمد. مستشار قانوني، أبو ظبي
