صدى الرومي في جنوب الهند: حياة الشيخ طاقة أحمد مسليار


في صفحات التاريخ رجال لا يمرون مجرد عابرين تذروهم رياح النسيان، بل يظلون كواكب درية تضيء سماء الأجيال.  وكما أضاء الشاعر والصوفي الجليلي جلال الدين الرومي قلوب الملايين في القرن الثالث عشر الميلادي بشعره الفياض وروحانيته الصافية وحكمته التي استقرت في أعماق النفوس، فقد أضاء العلامة الشيخ طاقة أحمد مسليار الأزهري قلوباً لا تحصى بعلمه الغزير وتوجيهاته الروحية ومواعظه المؤثرة في عصرنا الحالي. ولذلك فإن تسميته بـ "رومي الملبار" في الأوساط العلمية والروحية في جنوب الهند لم تكن مجرد مديح عابر أو مجاملة فحسب، بل هي انعكاس حقيقي لعمق تفكيره واتجاه حياته وصفاته الروحية الصافية النقية المتيرة التي تلامس شغاف القلوب  والأرواح.

جذور مباركة ونشأة في ظلال التقوى

ولد الشيخ طاقة أحمد مسليار في العاشر من أغسطس عام 1947م، في تربة تلانكارا المباركة والتي  تحمل عبق التاريخ وتتزين ببركات التابعي الجليل مالك بن دينار. نشأ الشيخ في أحضان عائلة "قاضيار" العريقة التي كانت مصباحاً وهاجاً في الميادين الدينية والاجتماعية. كان والده هو قاضيار محمد كونجي رجلاً عُرف بالصلاح والتقوى وكانت والدته هي السيدة عائشة شقيقة العالم الشهير  "شمبريكا سي. إم. مسليار". في هذه البيئة التي تفوح منه شذى العلم والإمان تربى الشيخ منذ نعومة أظفاره على حب العلم ومكارم الأخلاق. كانت بداياته التعليمية في مسقط رأسه تلانكارا التي كانت تعج بالعلماء وحلقات الدرس. ثم انتقل ليواصل دراسته في حلقة التعليم (الدرس) في "مافيلاد" تحت إشراف أستاذه يو. كي. أتاكويا تنغل.ثم واصل دراسته في "بوتيانجادي" حيث تتلمذ على يد خاله الشيخ سي. إم. عبد الله مولوي لمدة شهرين لينتقل بعدها إلى كلية "معونة الإسلام" في مدينة بوناني العريقة، حيث درس على يد الشيخ كيه. كيه. عبد الله مسليار وزامل هناك شخصيات بارزة مثل ناتيكا موسى مولوي وجبار مسليار من منجلور. ثم أمضى عاماً ونصف العام في كلية الإرشاد التي تقع في "أزيكود"  حيث تلقى العلم من أستاذه شجاعي محمد مولوي.

ولم يقف طموحه عند هذا الحد. فقرر أن يشد الرحال إلى آفاق أوسع لنهل العلم الصافي. فبتحفيز شديد من الشاعر الإسلامي المليباري المعروف الأستاذ تي. عبيد صاحب توجه الشيخ نحو دار العلوم بديوبند، الجامعة الإسلامية العريقة التي تخرج منها جهابذة العلماء. في ديوبند مكث الشيخ خمس سنوات كاملة يغترف من بحار العلوم الشرعية متبتلاً في محراب العلم ليلا ونهارا. ومن شدة شغفه وانقطاعه للعلم أمضى ثلاث سنوات متتالية دون أن يزور عائلته أو يعود إلى بلده حيث كان لا يألو جهدا في سبيل تحصيل العلوم. وهناك أتقن علوم الحديث والأدب وغيرها من الفنون. وتتلمذ على أيدي كبار المشايخ وفي مقدمتهم شيخ الحديث فخر الدين أحمد والشيخ أنصار شاه وبعد عودته من ديوبند خدم كخطيب ومدرس في مسجد "تيروناكارا" بمدينة كوتايام لمدة ثلاث سنوات تاركاً أثراً طيباً في نفوس الأهالي. إلا أن همته العالية لم تقف عند حدود الهند، بل طمحت نفسه التواقة للسفر إلى خارج البلاد فالتحق بجامعة الأزهر الشريف في مصر حيث نال درجة الماجستير في أصول الفقه وأصبح عالماً أزهرياً متبحرا.

المحطة العمانية: الإشعاع الروحي في "طاقة" ومرباط

بعد تخرجه من مصر توجه الشيخ إلى سلطنة عمان حيث بدأت مرحلة جديدة ومفصلية في حياته. عمل في البداية في شركة تابعة لوزير النفط العماني في مدينة صلالة وكان يلقي خطبة الجمعة في مسجد مجاور. وسرعان ما لفت انتباه الجميع بعلمه وفصاحته، فتم تعيينه خطيباً في مسجد بنته والدة سلطان عمان في ولاية "طاقة"  بمحافظة ظفار. وفي هذه الولاية الهادئة والجميلة حط الرحال واستقر فيها لمدة 28 عاماً متواصلة. وبسبب طول إقامته وارتباطه الروحي والمكاني بهذا البلد أضيف اسم "طاقة" إلى اسمه ليُعرف بين الناس بـ "طاقة أحمد مسليار".

كانت المنطقة القريبة من صلالة وتحديداً "مرباط" (التي تبعد 74 كيلومتراً عن صلالة) تمثل واحة روحية للشيخ. ففي مرباط عبق التاريخ وأصالة التصوف حيث ترقد شخصيات عظيمة مثل الإمام محمد بن علي باعلوي وصاحب المرباط (الجد السابع عشر للإمام عبد الله الحداد، صاحب الراتب الشهير). لقد ارتبط الشيخ طاقة أحمد مسليار بصلة روحية عميقة بهذه المقامات وكانت تلك الديار بمثابة مائدة روحية تفيض بالتجليات. وخلال فترة وجوده في عمان تميز الشيخ ببراعته وإتقانه للغات متعددة وأصبح همزة وصل بين الثقافة العربية والإسلامية وبين الجاليات المختلفة وتتلمذ على يديه العديد من الطلاب العمانيين الذين نهلوا من علمه الغزير.

العودة إلى الوطن: قيادة حكيمة وعطاء لا ينضب

بعد 28 عاماً من العطاء في سلطنة عمان عاد الشيخ إلى وطنه الهند ليضع علمه وخبراته في خدمة مجتمعه وأمته. وبعد الوفاة المفجعة لخاله العلامة سي. إم. عبد الله مسليار تحمل الشيخ طاقة على عاتقه مسؤولية كبرى حيث تقلد منصب "قاضي منجلور" بالإضافة إلى كونه قاضياً لمناطق "داكشين كانادا" و"تشيمباريكا" بكاساراكود ولمئات المحلات الأخرى.

لقد أعاد الشيخ لمنصب "القاضي" هيبته ووقاره بمعناه الحقيقي وجلاله اللائق به. وكان  مكسرا حياته قلبا وقالبا لخدمة جمعية علماء الإسلام (سمستا كيرالا) وجمعية أهل السنة والجماعة. ومن القصص الروحية العجيبة التي تُروى في هذا السياق أن القائد الروحي لهذه الأمة "شمس العلماء" زاره في المنام وقال له: "هذه الجمعية بحاجة إلى خدماتك" فبناء على  تلك الرؤيا الصادقة، انخرط الشيخ بـمشاركة فعالة وبشكل أعمق وأقوى في أنشطة هذه المنظمة العظيمة وأصبح عضواً في المشاورة المركزية لجمعية علماء سمستا ورئيساً لفرعها في مقاطعة كاساراكود.

لم يقتصر دورهذا العالم النحرير على الإفتاء والقضاء، بل أثمر ثماره  في الميدان التعليمي والاجتماعي. فقد كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن التعليم والتمكين الاجتماعي هما السبيل الوحيد لبناء مستقبل زاهر للأمة. وبفضل توجيهاته الحكيمة رعى العديد من المشاريع التعليمية والاجتماعية في منطقة داكشين كانادا. وتعتبر المؤسسة التعليمية الضخمة التي أُسست في "كاشيباتنا" بمنجلور باسم الشيخ الراحل سي. إم. أستاذ نصباً تذكارياً حياً يشهد على رؤيته الثاقبة وتفانيه المطلق واهتمامه العميق بمستقبل مجتمعه.

شخصية فريدة كرومي الملبار 

إن محاولة قياس عظمة شخصية الشيخ طاقة أحمد مسليار من خلال خطبه أو مؤلفاته فقط تعتبر قاصرة؛ إذ كان علمه بحراً لا ساحل له وقلما تجد مجالاً من مجالات المعرفة لم يتبحر فيه. كان يتزين بـقوي الشكيمة في الجهر بالحق، فهو لم يخف في الله لومة لائم ولم يساوم يوماً على المبادئ ولم يغير مواقفه من أجل كسب لعاعة من الدنيا أو نيل ثناء من الناس. كان يعبر بوضوح وشجاعة عن الحق، وكثيراً ما كان بكلمته الصادقة المخلصة يسكت أهل البدعة  والباطل 

في مكتبته الواسعة المليئة بالكتب والمراجع النفيسة، كان يقضي أوقاته متأملاً وقارئاً للشاردة والواردة من العلوم. وكان يمتلك بصيرة نافذة تجعله يعرف الغث من السمين في زمن كثرت فيه الفتن واختلطت فيه الهابل بالنابل.

إن فهم أعماق رسالة الرومي في "المثنوي" يتطلب أكثر من مجرد قراءة سطحية؛ إنه يتطلب ذوقاً روحياً وصفاءً قلبياً. والشيخ طاقة كان من هولاء القلائل الذين غاصوا في أعماقه واستخرجوا لآلئه ونفائسه حيث قام بترجمة المثنوي إلى لغة المليالمية. لقد جسد رسالة التحول الروحي وتزكية النفس في حياته اليومية وانعكست هذه الروحانية على كل من جالسه واستمع إليه. وكما قال الرومي: "الكلمة التي تخرج من القلب، لا تستقر إلا في القلب"، فإن هذه المقولة لا ينتطح فيها عنزان  إذا ما طُبقت على حياة الشيخ طاقة ومواعظه التي تلامس القلوب بصدقها وعمقها.

لقد كانت حياة الشيخ طاقة أحمد مسليار الأزهري رحلة عامرة بالبذل والعطاء والتقى والعلم الدائم. وعندما قضى نحبه ولبى نداء ربه كان رحيله خبر تدمع منه العيون وتنشق منه القلوب لجميع محبيه وتلامذته في كل مكان. لقد بكته المنابر والمحاريب وحزنت عليه القلوب التي طالما أحياها بمواعظه وحكمته.

رحل "الرومي الملبار" تاركاً خلفه إرثاً لا يفنى وروحاً ترفرف في سماء المعرفة والتصوف السني الصافي. نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته وأن يرفع درجته في عليين، وأن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأن ينفعنا بعلومه وبركاته. إنه سميع مجيب الدعاء.

محمد شهير |طالب جامعة دار الهدى الإسلامية


إرسال تعليق

أحدث أقدم